شرف خان البدليسي

58

شرفنامه

الشباب من بني آدم . ومن دواعي الأسف أن عمل أولياء الأمور بمقتضى مشورة هذا الملعون الشنعاء ، وصادف أن سكن الوجع وخف الألم تماما ، فكان المريض يشعر بالراحة كلما دهن السرطان بالمخ ، وعلى هذا قرر ولاة الأمور قتل شخصين كل يوم ليأخذ مخيهما ، ويدهن بهما السرطان ، ذلك المرض الغريب الذي لا يشفى قط . ودامت هذه الحال فترة من الزمن تنفذ بين الخاص والعام بالرغم مما فيها من الظلم الفاضح والعتو الصارخ ، حتى اشمأزت منها نفس الرجل الموكل بقتل الشخص وأخذ مخيهما . وقد غلبته العاطفة الكريمة ورقة القلب ، فعمد إلى الاكتفاء بقتل شخص واحد ، وضم مخ خروف إلى مخه وإعتاق الشخص الآخر سرا مع التنبيه عليه بأن يغادر فورا المدن والعمران ، ويستوطن الجبال والوهاد الخالية من آثار بني الإنسان فأفضى هذا الأمر الإنساني من إعتاق شخص واحد كل يوم إلى اجتماع جم غفير من بني الإنسان من طوائف مختلفة ، ولهجات متعددة في ساحة واحدة من بقاع الأرض الخالية ، فتزاوجوا وتوالدوا ، حتى ملأت أولادهم وأحفادهم تلك البقاع على رحابتها فلقب مجموع هؤلاء الناس بالكرد . هذا ولما كان هؤلاء قد ابتعدوا من آثار الحضارة والعمران فترة طويلة ، ونسوا ما كانوا عليه من فنون المعارف والأحوال المدنية ، وما كان لهم من اللهجات واللغات المعلومة فقد أحدثوا لأنفسهم لغة خاصة وأوضاعا مستقلة ، ثم أخذوا ينتشرون في الوهاد السحيقة ، وقلل الجبال الشامخة يحدثون فيها من آثار العمران مثل الزراعة وتربية المواشي والتجارة ، ويبنون قرى وقلاعا ومدنا في رؤوس الجبال حتى أثرت منهم جماعات كبيرة ، فتوغلت في السهول والهضاب أيضا . وهناك رواية أخرى تقول : إن الكرد لم يسموا بهذا الاسم إلا لفرط شجاعتهم وشدة بأسهم ، حتى وصفوا بالتهور والطيش في ساحة الوغى وميادين القتال وغيرها من المواقف العصيبة . وقال بعض الحكماء : " إن الأكراد طائفة من الجن كشف اللّه عنهم الغطاء " . كما أن بعض المؤرخين يروي أن الشياطين تزاوجوا مع بنات حواء فنشأ منهم الكرد . والعلم عند اللّه وهو على كل شيء قدير . هذا وتنقسم الطوائف والجماعات الكردية من حيث اللسان واللغة والآداب والأوضاع الاجتماعية إلى أربعة أقسام كبيرة : القسم الأول هم ( الكرمانج )